ابن كثير

502

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

يوم القيامة ، وفيه إشارة إلى أن اللّه تعالى يحيي قلب من يشاء من الكفار ، الذين قد ماتت قلوبهم بالضلالة فيهديهم بعد ذلك إلى الحق ، كما قال تعالى بعد ذكر قسوة القلوب : اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [ الحديد : 17 ] . وقوله تعالى : وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا أي من الأعمال ، وفي قوله تعالى : وَآثارَهُمْ قولان : [ أحدهما ] نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم ، وآثارهم التي آثروها من بعدهم فنجزيهم على ذلك أيضا إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، كقوله صلى اللّه عليه وسلم : « من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها ، وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا » « 1 » رواه مسلم من رواية شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن المنذر بن جرير عن أبيه جرير بن عبد اللّه البجلي رضي اللّه عنه ، وفيه قصة مجتابي النّمار المضريين ، ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن يحيى بن سليمان الجعفي ، عن أبي المحياة يحيى بن يعلى عن عبد الملك بن عمير عن جرير بن عبد اللّه رضي اللّه عنه فذكر الحديث بطوله ، ثم تلا هذه الآية وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وقد رواه مسلم من رواية أبي عوانة عن عبد الملك بن عمير عن المنذر بن جرير عن أبيه فذكره . وهكذا الحديث الآخر الذي في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : من علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ، أو صدقة جارية من بعده » « 2 » ، وقال سفيان الثوري عن أبي سعيد رضي اللّه عنه ، قال : سمعت مجاهدا يقول في قوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ قال : ما أورثوا من الضلالة . وقال ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قوله تعالى : وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ يعني ما أثروا ، يقول : ما سنوا من سنة فعمل بها قوم من بعد موتهم ، فإن كانت خيرا فلهم مثل أجورهم لا ينقص من أجر من عمل به شيئا ، وإن كانت شرا فعليهم مثل أوزارهم ولا ينقص من أوزار من عمل بها شيئا ، ذكرهما ابن أبي حاتم ، وهذا القول هو اختيار البغوي . [ والقول الثاني ] أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية ، قال ابن أبي نجيح وغيره عن مجاهد ما قَدَّمُوا أعمالهم وَآثارَهُمْ قال : خطاهم بأرجلهم ، وكذا قال الحسن وقتادة وَآثارَهُمْ يعني خطاهم . وقال قتادة : لو كان اللّه عز وجل مغفلا شيئا من شأنك يا ابن آدم أغفل ما تعفي الرياح من هذه الآثار ، ولكن أحصى على ابن آدم أثره وعمله كله حتى أحصى هذا الأثر فيما هو من طاعة اللّه تعالى أو من معصيته ، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الزكاة حديث 70 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الوصية حديث 14 .